الأيكولوجية

أكاديمية ستار

الأيكولوجيا أو علم البيئة (Ecology): هو الدراسة العملية لتوزع وتلاؤم الكائنات الحية مع بيئاتها المحيطة، وللتفاعلات القائمة بين الأحياء كافة وبين بيئاتها المحيطة، ودراسة تدفقات الطاقة والمادة الموزعة في النظام البيئي. وكمصطلح يتكون من الكلمة اليونانية Oikos (المسكن أو البيئة) وLogos (علم) أي علم المسكن أو البيئة. استعمل لأول مرة من قبل العالم البيولوجي أرنست هايكل عام 1874. وكانت نظرية داروين للتطور التدريجي الأرضية الخصبة لتطور هذا العلم لاحقاً، باعتباره تناول أصل النباتات (الأنواع)، وأشار إلى أن التطور التدريجي يحصل بالتوالد والوراثة والاصطفاء الطبيعي؛ وأن الأنواع التي تختل شروطها المناخية والطبيعية والجغرافية، أو تقوم هي بتغييرها، تتعرض للانقراض والزوال. كما أن البعد الهام في صراع الوجود هذا ( إلى جانب الشروط المناخية والجغرافية) هو وجود أنواع أخرى أيضاً تتنافس من أجل أراض محدودة أو منابع أخرى.   رغم انبثاق الأيكولوجيا من علم الأحياء، إلا أنه غدا مع الزمن يضم العديد من العلوم التي قد تكون مستقلة عنه كالجيولوجيا والكيمياء البيولوجية والفيزياء وغيرها. يشتمل علم البيئة على: الأيكوفيزيولوجيا، الأتوايكولوجيا، أيكولوجيا السكان، السينوكولوجيا، دراسة الأنظمة البيئية (تجمع الكائنات الحية والمحيط الفيزيائي)، الأيكولوجيا الجامعة، الاقتصاد والمحيط.

كما ويبحث علم البيئة في خلل التوازن البيئي النابع من انقطاع الإنسان عن العالم الطبيعي. لهذا فإن علم البيئة لم يعد في يومنا يقتصر على كونه انضباط يبحث وينظم العلاقة بين الإنسان والمحيط بل بدا يحتضن ويدرس كافة القضايا الاجتماعية أيضاً وذلك من خلال دراسة البيئة الإنسانية. البيئة الإنسانية هي جزء من علم البيئة والتي تدرس فضاء الإنسان و النشاطات المنظمة منه و محيطه، و ظهرت دراسة البيئة الإنسانية في سنة 1920، و أصبح مجالا للدراسة في السبعينيات. فالإنسان هو مستعمر لكل القارات و العامل الرئيسي في البيئة، و قد عدل في البيئة بتطوير حياته/ التخطيط الحضري/ و طور طريقة الصيد، و كذلك النشاطات الزراعية و الصناعية. طورت هده الدراسة و أصبحت البيئة الإنسانية تدرس بفضل انثروبولوجيين، مهندسين، علماء الأحياء، علماء الديمغرافيا، علماء البيئة، مخططين و أطباء. قاد تطور علم البيئة الإنسانية إلى تخصيص جزء مهم للبيئة في التخطيط الإقليمي. بالإضافة إلى ذلك ، طبقت فلسفة البيئة في المجتمعات الإنسانية و طورت“ البيئوية“. أصبحت البيئة الإنسانية في السنوات الأخيرة موضوع مهم للمتخصصين في النظرية التنظيمية علم البيئة يميل إلى احترام التوازنات الطبيعية، فالبيئوية أو حركة البيئيين لها ثلاثة أصول أساسية، حيث تهدف إلى الحفاظ على الموارد الطبيعية، الحفاظ على الحياة البرية و تدعو إلى مكافحة التدهور الحاصل في وسط الحياة. هذه الأطر الاجتماعية و السياسية تحتج على التدهور الطبيعي الذي يسببه الإنسان و لاسيما التلوث. النظام البيئي: في الايكولوجيا، يمثل النظام البيئي وحدة مكونة من تجمع الكائنات الحية و محيطها الجيولوجي، متعلقة بالتربة و الغلاف الجوي(الوسط)، فهي العناصر التي تشكل النظام البيئي و تطور شبكة من الترابط لتسمح بتطوير الحياة. فالنظام البيئي هو التفاعل بين العوامل الحيوية و غير الحيوية. في النظام البيئي، يكمن دور التربة في توفير التنوع الملائم، حيث يكون ناقلا وواسطة لنقل المياه و غيرها من العناصر.

في سنة 1971، أصبحت الايكولوجيا جزءا أساسيا من السياسة العالمية، عندما شرعت اليونسكو في برنامج بحث سمي ب „الرجل و المحيط الحيوي“ يهدف إلى توسيع المعرفة عن علاقة الإنسان بالطبيعة، و بعد سنوات تم تحديد مفهوم المحيط الحيوي. في 1972،عقدت الأمم المتحدة أول مؤتمر للبيئة و الإنسان في ستوكهولم، حضره رني ديبو مع خبراء آخرين، تولد عن هذا المؤتمر عبارة تفيد : „فكر عاميا و اعمل محليا“.ساهمت هذه الأحداث الأساسية التالية في تطوير مفهوم المحيط الحيوي و ظهور مصطلح التنوع البيولوجي في الثمانينيات، هذا المصطلح طور في „قمة الأرض“ في ريو دي جانيرو سنة 1992، فقد عرف المحيط الحيوي رسميا من طرف أكبر المنظمات الدولية و فيها عرف مخاطر الاستخفاف بالتنوع البيئي. في عام 1997، اعترف دوليا بخطر الأنشطة الإنسانية على المحيط خاصة الغلاف الجوي، أسفر هذا المؤتمر عن برتوكول „كيوتو“، و قد سلط الضوء على أخطار الغازات في الاحتباس الحراري ، فهو السبب الرئيسي لتغيير المناخ. في „كيوتو“تيقنت معظم أمم العالم أهمية النظر إلى البيئة بنظرة موحدة أو على نطاق عالمي، و أن تنظر في تأثير النشاطات السياسية على بيئة هذا الكوكب. حققت التوجيهات الايكولوجية تأثيراً يتجاوز العلوم المتعلقة بالبيولوجية، بحيث تركت أثراً عميقاً وكبيراً على جغرافية الإنسان و ابستمولوجبة الطب ونفسية البناء. فقط تأسست الكثير من الحركات القائمة على أساس حماية البيئة من هذه الممارسات المجحفة بحق البيئة.

القائد أبو يعرف الايكولوجية على الشكل التالي: الأيكولوجيا بحد ذاتها علم. إنها العلم المعني بالبحث في العلاقة القائمة بين المجتمع والبيئة. ورغم حداثة عهدها، إلا إنها ستلعب دوراً ريادياً تصاعدياً في تأمين تخطي التناقض الموجود بين المجتمع والطبيعة، بشكل متداخل مع بقية العلوم الأخرى. أما الوعي البيئي المتطور بحدود، فسيحقق وثبة ثورية ملحوظة مع الأيكولوجيا. لقد كان يشكل الرابطة مع الطبيعة في المجتمع المشاعي، كرابطة الجنين بأمه. حيث ينظر إلى الطبيعة بعين حيوية. كانت القاعدة الأولية للدين آنذاك، هي عدم الوقوف في وجه الطبيعة أو التعرض لعقابها. دين الطبيعة هو دين المجتمع المشاعي البدائي. وما من تناقض أو أمر غير اعتيادي في تكوّن ذاك المجتمع إزاء الطبيعة.

السبيل الأكثر واقعية هو البحث عن جذور الأزمة الأيكولوجية المتجذرة طرداً مع أزمة النظام الاجتماعي، في بدايات نشوء الحضارة. يجب الإدراك أنه كلما تطور الاغتراب عن الإنسان بسبب التحكم والتسلط القائم داخل المجتمع، كلما قاد ذلك إلى الاغتراب عن الطبيعة أيضاً، وبشكل متداخل. فالمجتمع في مضمونه ظاهرة أيكولوجية. أما ما يُقصَد بـ“الأيكولوجيا“ فهو الطبيعة الفيزيائية والبيولوجية بين التكون الفيزيائي والتكون البيولوجي للكوكب الأرضي. يُعد هذا أحد أهم الميادين التي أحرز فيها العلم نجاحات مظفرة حقيقية. إذ يمكن تحليل وتعليل ظواهر بدء الحياة في أعماق المياه، وانتشارها فيما بعد إلى اليابسة، ومن ثم تطور عدد لا حصر له من الفصيلات الحيوانية والنباتية من أحشاء أول نبتة وحيوان بدائيين.

تُعلَّل وتحلَّل البيئة الفيزيائية والبيولوجية، التي اعتمد عليها الجنس البشري في تطوره، ارتباطاً بتلك التطورات. وإحدى فرضيات الربط بينه وبين تلك التطورات هي تلك القائلة بأن الجنس البشري هو الحلقة الأخيرة من سلسلة التطور الطبيعي للكائنات الحية عموماً، ولعالَم الحيوانات على وجه التخصيص. النتيجة الأولية والأهم على الإطلاق، والتي يمكننا استخلاصها من ذلك، هي أنه من المحال على النوع البشري أن يعيش بشكل عشوائي؛ وأنه كلما ظل مرتبطاً بسلسلة التطور الطبيعي تلك، وبقي ممتثلاً لمتطلباتها؛ كلما تمكن من إدامة ذاته. أما في حال إعطابه لحقوق التطور الطبيعي الذي يرتكز إليه، فلا مفر حينئذ من غياب التكامل البيولوجي؛ وبالتالي مواجهة خطر عدم إدامة الذات بالتأكيد. وقد برهن العلم بكل وضوح على أن تكامل سياق التطور الطبيعي في الطبيعة منوط بالأواصر المتبادلة للأجناس والكائنات الموجودة فيها، على نحو أكثر مما يظن البعض. وإذا ما افتُقِدَت تلك الأواصر المتبادلة، فستحدث انقطاعات وثغرات كبرى بين حلقات التطور الطبيعي؛ ليغدو عدد لا يستهان به من الفصائل والكائنات وجهاً لوجه أمام مشكلة إدامة جنسه.

مقابل هذه الحقيقة العلمية، فالمشكلة التي خلقتها الحضارة – إنْ لم تُتَّخَذ الإجراءات والتدابير اللازمة – تكمن في أنها شرعت الأبواب على مصاريعها أمام جهنم السعير. الدافع الأساسي لخلق الحضارة لهذه المشكلة، هو حقيقة الاستبداد والجهالة التي تتميز بها (أو بالأحرى ضرورة كونها مخادعة وكاذبة). ذلك أن الهرمية والدولة لا تستطيعان ترسيخ وجودهما، بالارتكاز فقط إلى القمع والعنف أثناء تكونهما. بل لا مفر لهما من اللجوء إلى الكذب والرياء لمواراة حقيقة المجريات وقصتها. فالهيمنة السلطوية تتطلب الهيمنة الذهنية أيضاً. وهذه الأخيرة لا يمكن أن تزوّد السلطة بالضمان والحصانة، إلا بإدراجها موضوع „الخروج عن الحقائق“ حيز التنفيذ. أما الجانب الفظ لقوة السلطة، فسيعمل دائماً على تسليط وإنعاش هذا النوع من الذهنية، كجانب دقيق وخفي له. هذا الطراز من تكوين الذهنية يشكل الأرضية الخصبة للاغتراب عن الطبيعة وما فيها. كلما استمر إنكار الأواصر المشاعية الخالقة للمجتمع والمكونة إياه، واتُّخِذَت الهرمية وقوى الدولة – المتطورتان كانحراف وتضليل – أساساً عوضاً عنها؛ فستكون حالة الذهنية منفتحة أمام نسيان الروابط الكامنة بين الطبيعة والحياة، وفقدانها أهميتها. وكل ارتقاء وتصاعد على هذه الأرضية – دعامة الحضارة – سينعكس على أرض الواقع على صورة انقطاع عن الطبيعة وتدمير للبيئة. حينها لن ترى أبصار القوى الحضارية الضرورات الطبيعية. ومهما تكن الحال، فالشرائح السفلية المغذية إياها، تمدها بكل شيء جاهز ترغب به.

لقد ابتُدِعَت يوتوبيا „الألوهية والجنة“ المذكورة في الكتب المقدسة على تلك الأرضية، كميثولوجيات للسومريين أصحاب القوى الحضارية الأولى. ونُقِشَت في عقل الإنسان كقوالب ذهنية أولية، منذ مرحلة الطفولة. الإله والجنة كيانان تجريديان للطبيعة. أو بالأصح، هما تَصَوُّران لعالَم قوى السلطة الزائفة المتصاعدة، والتي حلت محل الطبيعة الحقيقية. يتلخص فحواه في: „نحن المستألِهين (المتحولين إلى آلهة) نحيا في جنات النعيم“. الشكل الثاني لمضمونه هو: „السلاطنة ظلال الإله، يعيشون كأهل الجنة“. أما شكله الثالث فهو: „الإنسان المستعمِر يعيش كما في الجنة“. باتت هذه المفاهيم المترسخة كقوالب ذهنية مهيمنة في المجتمع، والمصوَّرة على أنها حقائق إلهية سامية؛ ناسية تماماً لـ“الطبيعة الأم“. بل وذهبت أبعد من ذلك، لتتنافر في علاقاتها مع الطبيعة ضمن اغتراب شديد، بابتكارها فرضيات „الطبيعة الوحشية، الطبيعة العمياء، الطبيعة التي يجب تذليلها“. إن إمكانية صنع حياة مناهضة للطبيعة، عبر تلك التراكمات الناجمة عن استبدادية ورياء وزيف قوة السلطة؛ تُشكِّل أساس المشاكل الأيكولوجية المعاشة. حيث سيُقال في الطبيعة بأنها „القوة العمياء“، طالما يتم إنكار دورها في الحياة، وطالما تترسخ عوضاً عنها العناصر الدينية المزيفة وصائغوها. يشكل التأثير الشديد لهذه الذهنية حتى يومنا الراهن – بشكل خاص – السبب الأولي لعدم تطور العقلية العلمية. فالعقلية العلمية لا يمكنها أن تتطور، إلا بالإدراك الحقيقي والصحيح لقوى الطبيعة. أما النظام العقائدي الذي يُحِيل كل شيء إلى الإله والجِنّ، فلن يولي أي معنى على الإطلاق لنسيجٍ خارق كالطبيعة. بل وسيتملص من العلمية بإلحاحه العنيد على أن الطبيعة الفيزيائية والبيولوجية برمتها، هي مصطلحات تجريدية من صنع الإله.

وقد رأينا بأم أعيننا كيف أن هذا الإله المجرد هو من إيجاد عقلية أول شريحة استعمارية متنامية، بغرض إكساب ذاتها صفة المشروعية. لا تتمثل في مخاطرها في ربطها العبيد والرقيق بذاتها وحسب، بل وفي فصلها إياهم عن الوقائع الحقيقية. إنها تقطع الأواصر الصحيحة والسليمة لذهنية الإنسان مع الطبيعة، وتُغَرِّبها عنها. فتترك „الطبيعة الأم“ – قديماً – مكانها لـ“الطبيعة الظالمة“ على يد الظالمين الحقيقيين. إذا ما تمحصنا محطات تلك الذهنية طيلة المسار التاريخي، فلن نتمالك أنفسنا من الذهول حقاً. وما المواجهات المُعَدّة بين الإنسان والحيوانات المفترسة في مراسيم الإمبراطورية الرومانية، سوى ثمرة لتلك الذهنية. إذ ثمة أواصر وطيدة بين تلك الممارسات الظالمة، وبين قوة السلطة لدى توجهها نحو تحييد العقول والاهتمامات عن عالم الحيوانات والنباتات، وتعتيمها وتطويقها بالغموض المظلم. أو بالأحرى، يرمز تأليب الإنسان والحيوان على بعضهما بهذا الشكل، في حقيقته الضمنية، إلى الاغتراب عن الطبيعة.

لدى وصولنا إلى إقطاعية العصور الوسطى، نرى أن وجه البسيطة غدا خاناً يجب تركه على الفور، بل ومكاناً مدنساً يقيِّد الإنسان ويدفعه إلى الحرام والسوء. فماذا يمكن أن تعنيه الطبيعة مقابل سموّ الإله! إذاً، فترك الحياة الدنيا والطبيعة قبل لحظة، أصبح هدفاً عقائدياً سامياً. لكن حياة جنات النعيم في الشريحة الفوقية ستدوم بكل عربدتها. ونحن إنما نقصد هذا التحريف والتشويه عندما نقول بضلال وزيغ الذهنية الأكبر.

تشيد النهضة في فحواها بإعادة تأسيس الأواصر المقطوعة بين العقل والطبيعة. لقد قامت النهضة بثورتها الذهنية على خلفية حيوية الطبيعة وخلاقيتها وعطائها وقدسيتها. وعملت بالمبدأ „كل شيء موجود في الطبيعة“ كمعتقد أساس لها. وصوَّرت جماليات الطبيعة على نحو أمثل عبر الفن. وفتحت آفاق الطبيعة بالتوجه العلمي نحوها. واتخذت الإنسان أساساً لها، فاعتبرت تعريف حقيقته برمتها من وظائف العلم والفن. هذا التغيير في الذهنية هو الذي ولَّد العصر الحديث. وعلى خلاف ما يُعتقَد، فالمجتمع الرأسمالي لم يكن نتيجة طبيعية لهذه المرحلة، بل كان محرِّفها ومضلِّلها، ولعب دوره في تقهقرها وجَزْرها. فالإدارات المستعمِرة للإنسان طُوِّرت بالتوازي مع استغلال الطبيعة. والتحمت الهيمنة على الإنسان مع الهيمنة على الطبيعة والتحكم بها. وابتدأت أشد أشكال الهجوم التي شهدها التاريخ على الطبيعة، بحيث اعتَبَرَت تلك الإدارات أن استغلال الطبيعة وظيفة ثورية، ضاربة بذلك عرض الحائط كل قدسياتها وحيويتها وتوازناتها. وهمَّشَت على نحو تام القدسية التي كانت موجودة – وإن بشكل منحرف – في الذهنيات السابقة. ورأت أنه من حقها التصرف بالطبيعة كيفما تشاء، دون أي رادع أو ريبة.

كانت المحصلة أن التحمت أزمة البيئة بالأزمة الاجتماعية. وحالما نَقَل مضمون النظام القائم الأزمةَ الاجتماعية إلى مساحة الفوضى البينية، بدأت البيئة تطلق صيحات الإغاثة من أجل الحياة، لِما لحق بها من كوارث وفواجع. فالمدن المتعاظمة والمتفشية كداء السرطان، تلوث الهواء، انشقاق طبقة الأوزون، التناقض الحاد الأقصى في أجناس الحيوانات والنباتات، تدمير الغابات وكسحها، تلوث المياه الجارية، النفايات المكدَّسة والمتعالية كالجبال في كل الأرجاء، تلوث جميع المياه بالنفايات والمخلَّفات المبيدة، والانفجار السكاني؛ كل ذلك دفع بالطبيعة إلى التمرد مع بدء الفوضى. إذ ثمة تَوجُّه جنوني طائش صوب الربح الأعظمي، دون الأخذ بالحسبان مدى قدرة كوكبنا على تحمل هذا الكم الهائل من المدن والبشر والمعامل ووسائل المواصلات والمواد الاصطناعية وتلوث الهواء والمياه.

هذه التطورات ليست قدراً محتوماً. بل هي حصيلة الاستثمار المختل للعلم والتقنية في حوزة السلطة. من الخطأ تحميل العلم والتقنية مسؤولية هذه المرحلة، إذ لا يمكنهما لعب أدوارهما بمفردهما. بل إنهما يؤديانها وفاقاً لنوعية قوى النظام القائم في المجتمع. وكيفما أَقحَمَت تلك القوى الطبيعة في المستنقع وأغرقتها، فهي قادرة أيضاً على معالجتها ومداواتها. أي أن المشكلة اجتماعية محضة. إذ ثمة تناقض حاد بين المستوى العلمي والتقني الموجود، وبين مستوى الأحوال المعيشية للغالبية الساحقة من البشر. تنجم هذه الحالة عن مصالح ومنافع حفنة أقلية تتحكم بالعلم والتقنية على نحو مطلق. أما الدور الذي سيؤديه العلم والتقنية في المجتمع الديمقراطي والتحرري، فهو دور ايكولوجي.

الفلسفة ذاتها تُعرِّف الإنسان بأنه „الطبيعة الواعية لذاتها“. فالإنسان في فحواه هو أرقى أجزاء الطبيعة تقدماً. هكذا ينسدل الستار عن حقيقة النظام الاجتماعي المناقض للطبيعة، وغير المتآلف معها، وصانع التناقض بين الطبيعة وبين أرقى أجزائها تقدماً. فإيصال الإنسان إلى حالة يصبح فيها بلاء على الطبيعة، بعد أن كان ملتحماً بها بتناغم أشبه بنشوة الأعياد وبهجتها (الأعياد في حقيقتها ليست سوى صورة عن الاتحاد المثمر والمعطاء بين الطبيعة والنشوة)؛ يشكل – على ما يُظَن – برهاناً قاطعاً على مدى بلاء هذا النظام.

لا يشمل التكامل مع البيئة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وحسب. فاستيعاب الطبيعة على الصعيد الفلسفي أيضاً يعد شغفاً لا يستغنى عنه. إنها مسألة متبادلة في حقيقتها. فبينما تبرهن الطبيعة على الفضول وحب الاستطلاع الكبير لديها، وعلى قدرتها في الخَلق لدى استئناسها؛ فالإنسان أيضاً يدرك ذاته ويعيها لدى استيعابه الطبيعة (إن رؤية السومريين للحرية „أماركي“ في العودة إلى الأم „الطبيعة“ أمر يحثنا على التفكير فيه). ثمة علاقة العاشق والمعشوق بين كليهما. إنها مغامرة عشق وهيام كبرى. وأظن أن إفسادها أو الانفصال عنها أكبر حرام (حسب التعبير الديني). ذلك إنه من المحال خلق قوة معاني أسمى منها. ارتباطاً بهذه المسألة، فالمعنى الملفت للنظر، والذي أضفيناه على حيض المرأة بأنه إشارة إلى التمايز عن الطبيعة وإلى الانبثاق منها في الوقت نفسه؛ إنما يفرض ذاته هنا مرة أخرى، ويُشعِرنا بوجوده. تتأتى طبيعة المرأة من دنوها الكبير إلى الطبيعة. ويكمن لغز جاذبيتها الساحرة في هذه الحقيقة بالذات.

مبادئ علم البيئة( الايكولوجية):

-1 التضامن: كل عنصر في الطبيعة يحتاج للآخر مثال فإن النبات يحتاج إلى التراب لينمو، والتراب يحتاج للمياه، والمياه تحتاج للغلاف الجوي، والغلاف الجوي يحتاج للنبات…الخ. يعني كل عضو هو وعلى علاقة متفاعلة، متبادلة مستمرة و مرتبطة بمحيطه ( الأعضاء الأخرى الموجودة حوله).

-2 المحدودية أو التحديد: لا ينمو أو يكبر أي نوع أو عضو إلى ما لا نهاية ( الأبد) ضمن النظام الايكولوجي. بحيث يتكون أنسب توازن على الإطلاق مع دوامة داخلية ( ضمن نظامها الداخلي). لا يمكن أن يحيا الفئران تكاثر زائد عن الحد من دون وجود دافع خارجي في الأوساط الطبيعية، لأن الأفعى وما يماثلها من أنواع الحيوانات تعمل على تأمين التوازن. كما أن نسبة الأوكسجين الموجودة في الغلاف الجوي هي بحسب المعايير اللازمة لأجل الحياة. ستأتي نهاية الأحياء عند أي احتمال لزيادة الأوكسجين، لذا فإن هذه الزيادة يتم تحديدها وتحقيق توازنها من قبل الإنسان، الحيوان وما يماثله من الأعضاء. بإيجاز فإن ديالكتيك الحياة والموت تمثل التوازن الطبيعي.

-3 الارتباط (مبدأ الوحدة والتلاحم): توجد علاقة معقدة يصعب فهمها فيما بين الأحياء واللا أحياء. ترتبط الكائنات الحية مع بعضها البعض من أجل العيش. يعني للأحياء روابط تبعية مع بعضها من أجل الحياة. مثال الإنسان للأوكسجين، والأوكسجين للنبات، النبات للتراب…الخ.

Schreibe einen Kommentar